لا شيء في دمشق يوحي بوصول رياح الاحتجاجات إليها. الدمشقيون يخرجون للتنزه حتى يوم الجمعة، وما زالوا يمارسون حياتهم وكأنهم في بلاد أخرى.
وبرغم التفجيرات التي شهدتها، فإن الأسواق تضج بالزبائن ومقاهي المدينة القديمة ما تزال تحتفي بزوارها. لا صوت لتظاهرات أو عبارات مكتوبة على الجدران مناهضة للسلطة. الازدحام سيد الساحات العامة، وفي إحداها ترك الموالون منصة لهم من اجل مسيراتهم الدورية الداعمة للإصلاح. وفي الساحات أيضاً وعلى الجدران صور ولافتات لمرشحي انتخابات مجلس الشعب تتفق في الشعارات الرنانة، وتتنافس في الألوان والصور في مشهد مثير للاستغراب. هكذا تبدو دمشق في لقطة «Zoom out «.
ولكن ما إن تقترب عدستك من عاصمة الأمويين حتى تكتشف أن دمشق تغرق في بحر ثلث الشعب السوري ممن بات يقطنها، فتعيش على إيقاعهم، وجنون الاقتصاد وتمرد بعض الأحياء وتفجيرات تصيب أحياء أخرى ومحاولات مخنوقة للتظاهر، وفوق هذا كله أزمات معيشية متراكمة. صحيح أن الرصاص لم يصب دمشق كما أصاب غيرها من المدن، ولكن ملامح الأزمة السورية قد وصلتها، فبات هناك سؤال يتردد على لسان أهل الشام، مؤيدين كانوا أم معارضين: إلى أين نحن ذاهبون؟
دمشق اليوم تعزف لحناً خاصاً بها، بين هدوء أحياء أبو رمانة وباب توما والقصاع، وضجيج ساحة السبع بحرات، وبين توتر حي الميدان وكفرسوسة سيمفونية دمشقية، لا يعرفها إلا أهل الشام، الذين لم تغير الاحتجاجات كثيراً من نمط حياتهم.
صحيح أن المدينة تبدو شبه نائمة في وقت مبكر من الليل، لكن عادة «السيران» لم تلغ بعد من قاموسهم، وخاصة يوم الجمعة. ورغم الغلاء الذي ضرب البلاد لا يزال الكثيرون يترددون إلى المقاهي والأسواق يومياً، فلا شيء، وفق بعض أهالي العاصمة، يستدعي الحراك ضد النظام، خصوصاً أن دمشق شهدت في عهد الرئيس بشار الأسد حالة من التحول الاقتصادي والاجتماعي، قلبت معها موازين طبقات الشام، وأفرزت حياة جديدة تآلف معها سريعاً أحفاد يوسف العظمة، واستدعت قدوم عشرات الآلاف من شباب المدن السورية الأخرى للإقامة فيها بحثاً عن فرص عمل أفضل، وهو ما شكل ضغطاً اقتصادياً واجتماعياً، غيّر بدوره في تركيبة سكان دمشق، فبات هناك أعداد كبيرة منهم تفضل السكن في الريف، وتركوا المدينة للقادمين من المحافظات الأخرى، إضافة إلى قرار السلطة توديع الحياة الاشتراكية والانفتاح على اقتصاد السوق، ما فتح الباب أمام مئات الشركات والمصارف والجامعات لتحط رحالها في قلب الفيحاء، وهو ما جر بطبيعة الحال ارتفاعاً غير مسبوق في العقارات، أوصل دمشق، قبل عامين، إلى موقع بين أغلى المدن في العالم.
كل هذه العوامل أبعدت العاصمة عما جرى في باقي المدن السورية، واستمر الحراك في أحياء الميدان وكفرسوسة وركن الدين خجولاً مقارنة بباقي المدن. وحتى ريف دمشق فإن تشييع إحدى الضحايا قد يقلب المعادلة لساعات، وتخرج أعداد كبيرة لتعود الحياة بعدها وكأن شيئاً لم يكن. هذه هي دمشق في حضرة الأزمة السورية.
على عكس جميع الثورات العربية، بقيت ساحات دمشق تعيش إيقاعها اليومي أو تحتضن موالي النظام، فيما عجز المعارضون عن احتلال أي من ساحات المدينة. مسألة حملناها إلى عدد من الموالين أو المعارضين، الذين تباينت إجاباتهم وتحليلاتهم.
هكذا اعتبر موظف حكومي أن اكبر تظاهرة للمعارضة لم تتجاوز بضعة آلاف، فيما يحتشد مئات الآلاف، بل الملايين، مع كل مسيرة تأييد. أضف إلى ذلك ترافق أي تظاهرة لهم مع موجة تشدد وميل للتخريب، وشهدت بعيني كيف أمر بعض رجال «التنسيقيات» في كفرسوسة النساء بعدم التظاهر والعودة إلى بيوتهن، وكيف هاجموا في تظاهرة أخرى عناصر الشرطة واعتدوا عليهم، وبعد كل ذلك يصرون على أن ثورتهم سلمية، رغم أن تظاهراتهم لا تنفك تحيي العصابات المسلحة أو ما يسمونه «بالجيش الحر»، وكذلك يؤدون التحية لعرعور، ولا تتوقف لافتاتهم عن المطالبة بحلف شمال الأطلسي (الناتو). لقد دعاهم الرئيس إلى الحوار فرفضوا جميعاً، ثم اقترح عليهم حكومة موسعة ورفضوا أيضاً، ولم يقدموا أي برنامج يقنعنا بالتوجه إليهم، بل هم على الدوام يشتمون الرئيس وأركان السلطة، بل يشتمون حتى بعض المعارضين من صفوفهم، فعن أي ثورة تتحدثون؟ وهم يباركون لأنفسهم ويستهزئون بدماء الأبرياء الذين سقطوا في تفجيرات كفرسوسة والميدان والقصاع، واليوم باتت دمشق تستيقظ على التفجيرات والقنابل الصوتية، فهل هذه هي حريتهم؟
رأي آخر يقوله جامعي شاب، مشيراً إلى أن دمشق مقسمة بطريقة تجعل كل حي محاصر بانتشار أمني، أكثر من كثيف، وهو يفرض علينا القيام بتظاهرات طيارة لمدة دقائق تنفض بسرعة قبل وصول الأمن، وفي بعض الأحيان، ومع تشييع الضحايا ، يصبح منزل المستهدف مطوقاً قبل التشييع بساعات، وأحياناً يجبرون الأهل على دفنه قبل الموعد المحدد، والأسوأ من هذا كله أن كثيراً من أهالي الشام تمر التظاهرات أمام بيوتهم فيتجاهلونها تماماً، هذا إن لم يمارس بعضهم دور المخبر لصالح الأمن، كما فعل بعض الأهالي برجل كان يكتب على جدران احد الأحياء عبارات تدعو لإسقاط النظام. وفي المحصلة يصرون على النأي ..
كلام الجامعي يوافقه فيه زميله الذي لا يترك تظاهرة إلا وينضم لها، بحسب قوله، لكن يخالفه القول في ما يخص النأي بالنفس،
التيار الثالث: دمشق نموذجاً
بين فريقين يشكلان ابرز علامات الأزمة السورية، موالاة أو معارضة، يبرز في دمشق تيار جديد، ربما أسهم في ولادته بُعد العاصمة عن الأحداث الأمنية. انه التيار الثالث، هؤلاء الذين لا يثقون مطلقاً بالنظام وفي الوقت ذاته يجدون المعارضة تتخبط في أخطائها. وكثيراً ما لقي هذا التيار وأصحابه نقداً من قبل الطرفين المتصارعين المختلفين في كل شيء إلا في مبدأ أن لا مكان للوسط، فإما معنا أو ضدنا.
يقول احد مناصري الوسطية، كما يطلق على نفسه، إنه فقد الأمل في تغيير هذا النظام، وهو ما تثبته أساليب تعاطي النظام مع الأزمة، ولن أقول من الناحية الأمنية بل من الجانب الاقتصادي والاجتماعي، وحتى الإعلامي، فبطريقته هذه خسر الكثير من مناصريه، وفي الوقت ذاته أخفقت المعارضة في تشكيل كيان سياسي واحد، يجمع أبناء الشعب حولها، وبدلاً من استقطاب الأقليات جعلتهم ينفرون منها بسبب التشدد الزائد، وفوق هذا وكله يستمر بعض كوادرها في المتاجرة بدماء الشعب.
وتوضح سيدة أنها قد تتفهم مطالبة أشخاص تحت القصف والدمار بأي شيء يخلصهم من جحيم الموت، ولكنها لا تستطيع تبرير مطالبة معارضين وناشطين بالتدخل العسكري والضربات الجوية والعقوبات الاقتصادية التي ثبت أنها أضرت بالشعب أكثر من النظام.
وتقول السيدة الخمسينية: أتابع الكثير منهم على الشاشات، فلا يقنعني ما يقولون، ويمضون غالبية الوقت في تخوين بعضهم أو بالهجوم على النظام، وماذا بعد؟ لا شيء، والويل ثم الويل لمن ينتقد أي تصرف خطأ فيهم، وخاصة «الجيش الحر»، ولك أن تتابع رأيهم بمعارضين انتقدوا التسلح، كهيثم مناع أو ميشيل كيلو. كل هذه عوامل تدفعني لأخذ موقف الوسط، فلست مع النظام ولم تقنعني المعارضة. نسألها أنت مع من؟ تقول بثقة: أنا مع دمشق