|
سوريا .. ثـورة أم إرهــاب؟! ....خميس التوبي
لا يزال الكثير من المتابعين للأزمة السورية، وخصوصًا المؤيدين للمعارضة السورية المسلحة، يصرون على أن ما يحدث على أرض سوريا هو ثورة، وليس مؤامرة أو إرهابًا، وطبيعي أن تختلف الآراء حول قضية ما بناء على قدر الزاوية التي تسمح للمتابع بالرؤية والوقوف على أكبر قدر من الحقيقة، إضافة إلى عنصري العاطفة والعقل والمنطق في الحكم على الأشياء، فكيف بقضية في حجم الأزمة السورية التي أصبحت ككرة الثلج.
 لا أحد ينكر وجود حقوق مشروعة خرج للمطالبة بها في الشوارع سوريون في البداية، بل من حقهم أن يطالبوا بها، وليس هناك من البشر من لا توجد لديه مطالب مشروعة، إلا أن هؤلاء المطالبين الذين اعترفت الحكومة السورية بحقوقهم وبحقهم في المطالبة، جرى اختطافهم وأُخذوا على حين غرة، فلم تسرق منهم "ثورتهم" كما يحب البعض أن يسميها، وإنما سرقت حقوقهم حين أوهموا من قبل أولئك الذين تضخمت أكتافهم وانتفخت كروشهم ووجناتهم وتوردت بالموائد الدسمة التي تبسط لهم في الإليزيه وداوننغ ستريت والبيت الأبيض واسطنبول، بأن هؤلاء المنتفخين هم وحدهم القادرون على تحقيق المطالب وتلبية ما عجزت عنه الحكومة السورية، غير أن الواقع بدأ يكشف حقيقة أغلبهم رويدًا رويدًا، ليخبرنا بأنهم ليسوا سوى "أحمد جلبي" لا أكثر، ومجرد مطايا يستنيخها أصحاب الفضل عليهم لتمرير أجندات مدمرة، فوقع أولئك السوريون الطيبون ذوو المطالب المشروعة وحقوقهم ضحية تحت أقدام تلك المطايا.
ويمكن استلماح هذه الحقيقة عبر عدد من المعطيات:
أولًا: رفع سقف المطالب إلى أعلى درجاته منذ البداية، بالمطالبة بإسقاط النظام، ورفض أي صورة من صور الحوار مع الحكومة السورية إلا بعد تنحي الرئيس، قبل إعطاء الحل السياسي فرصته الكافية وسبر أغواره.
ثانيًا: المطالبة بالتدخل العسكري الأجنبي على غرار ما حدث في ليبيا والإصرار على هذا المطلب، ومحاولة استمالة الدول الغربية باختلاق مزاعم على الأرض عبر فبركات كثيرة لتقديم المبررات والتحريض لأجل التعجيل، وحين رأوا عدم الحماس لدى الأسياد لاعتبارات كثيرة منها معارضة كل من روسيا والصين للخيار العسكري، والوضع الاقتصادي غير المؤهل، وفقر سوريا من موارد الطاقة، اتجهت أقطاب المعارضة إلى المطالبة بضربات عسكرية محددة على مواقع ومنشآت سورية.
ثالثًا: المطالبة بتسليح المعارضة وتهريب السلاح والمسلحين وإقامة مراكز تدريب على الحدود السورية، فقد كان لافتًا إقرار الولايات المتحدة بتنسيق عمليات توصيل السلاح إلى المعارضة السورية المسلحة، واعترافها بتكفل دول خليجية دفع قيمة الأسلحة المهربة، وكذلك سفينة الأسلحة التي احتجزتها السلطات اللبنانية. كما كان لافتًا اعتراف وزير الداخلية التونسي علي لعريض بوجود تونسيين في صفوف المعارضة السورية المسلحة، حيث قال "لقد تأكد لدينا وجود بعض هؤلاء الشبان في السجون السورية وبعضهم الآخر "قتل" في حين لا يزال آخرون ضمن "الثوار" بهذا البلد". فضلًا عن المسلحين الذين يتلقون تدريبهم في ليبيا على أيدي الشركات الأمنية والعسكرية الخاصة، ودخول كوسوفو على خط الأزمة السورية بدعمها المعارضة السورية المسلحة وفتح مراكز تدريب مسلحين على أراضيها.
رابعًا: العمل على إفشال خطة كوفي أنان مبعوث الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية إلى سوريا، وعرقلة عمل المراقبين الدوليين واستهداف مواكبهم، وتحريض المتظاهرين على التظاهر والاحتجاج وإشاعة الفوضى وتشجيع المسلحين على استفزاز الحكومة السورية باستهداف المقار العسكرية والأمنية وترويع المدنيين لإجبارها على الرد، من أجل التشويش على عمل المراقبين وإعطاء انطباع بأن من يعرقل خطة أنان الحكومة السورية وليس المعارضة. ومن المهم الإشارة هنا إلى أن انقسام المعارضة ليس بسبب رغبات شخصية فحسب، وإنما هو مقصود لذاته لإبقاء الوضع فارغًا حتى لا يُمْلأ بوحدة صف المعارضة التي ستكون ساعتئذ مجبرة على الدخول في الحوار السياسي ومنع عمليات التحريض والتظاهر.
خامسًا: توفير الملاذ الآمن لتنظيم القاعدة واحتضانه ليشن هجماته الإرهابية جنبًا إلى جنب مع بقية العناصر المسلحة التابعة للمعارضة، وقد كان لافتًا أيضًا الاعتراف الدولي بوجود هذا التنظيم الإرهابي ودوره في عدد من التفجيرات لا سيما تفجيرات العاشر من مايو الجاري.
سادسًا: من الناحية الإنسانية، لو كانت قيادات المعارضة صادقة فيما تنادي به على الفضائيات لكانت فضلت خيار الحل السياسي وبدأت تمهد له بمنع التحريض والتأليب، وتهيئة الأجواء المناسبة للحوار الوطني وفق ما نصت عليه خطة أنان، الأمر الذي سيتيح عودة النازحين إلى قراهم وممارسة حياتهم وكسب عيشهم، وانتشال تلك الأجيال الناشئة من أي آثار نفسية تولد لديهم أحقادًا وضغائن وتربي فيهم خصالًا لا تتناسب مع معاني الحياة والإنسانية ومشاعر المحبة، وليس هناك مكان تتدارك فيه هذه الأمور من المنزل والمدرسة والكلية والجامعة، والشعور بالاستقرار والأمان والطمأنينة داخل وطنهم. وما يحصل الآن لا يعدو عن كونه تدميرًا لعقول وأنفس أجيال سورية يعدون هم الثروة الحقيقية لسوريا.
لكن ما لم تنتبه إليه المعارضة السورية وقياداتها هو:
الأول: إن ما يجري في سوريا الآن هو تحطيم لآخر قلاع القومية العربية، وآخر حصون العروبة الوطنية، وآخر جبهة مقاومة للاحتلال الإسرائيلي، والمعارضة تعد شريكًا رئيسيًّا في مخطط التحطيم هذا، كما شاركت المعارضة العراقية التي تمسك بزمام السلطة الآن في تحطيم العراق وتدميره، فاليوم كل الدول العربية منها من هي موقعة اتفاقية سلام مع الكيان الإسرائيلي الغاصب، ومنها من هي مطبعة معه علنًا ومن هي مطبعة سرًّا، وكلها يسرح فيها الموساد ويمرح، وكلها تستفيد من الخبرات والصناعات الإسرائيلية، وتغزو أسواقها المنتجات الإسرائيلية.
الثاني: إن من سيملأ الفراغ في حالة سقوط سوريا- لا سمح الله- هو تنظيم القاعدة، وستجد المعارضة السورية نفسها خارج السلطة التي ظلت تكافح من أجل الوصول إليها، خاصة وأن قيادات المعارضة تختلف فكريا وأيديولوجيا مع هذا التنظيم الذي سهلت دخوله واحتضنته، فمن الوارد أن نسمع دولة سوريا الإسلامية ونشاهد زرقاوي جديدًا وربما أكثر من زرقاوي.
الثالث: دخول القاعدة إلى سوريا أمر تقف وراءه قوى معروفة هدفها تأجيج الصراع الطائفي، حيث التعويل على هجمات هذا التنظيم الطائفي الانتحارية في زعزعة تماسك المجتمع السوري وبالتالي الحكومة السورية، ولإنجاح مخطط تهجير المسيحيين من سوريا ولبنان مثلما جرى ويجري في العراق وفلسطين المحتلة، ولعل مسيحيي قرية قسطل البرج في محافظة حماة أبرز مثال على ذلك الذين أكدوا أن مسلحين غرباء تكفيريين هجروهم من قريتهم. وما اشتباكات طرابلس سوى مقدمة لتحريك القاعدة نحو لبنان بعد أن يثبت وضعه في سوريا. فالمسألة هي مسألة وقت ليس إلا.
سورية الان - العرب اون لاين
( الثلاثاء 2012/05/22 SyriaNow)
طباعة
الصفحة الرئيسية
مشاركة
|