فتحتُ عينيّ على يومٍ جديد...وها هي الساعةُ تنطقُ الثامنة. نورٌ ودفءٌ في
الخارج...لكن نفسي مازالت باردة، ارتديتُ الأمل وارتشفتُ من كأس الرجاء...ثم
اتخذت طريقي إلى المعترك – ككل يوم.
في طريقي وأنا استمع إلى الموسيقى...وبينما الناس من حولي راكضين بلا ملامح؛ بدأت آلاف الأفكار تحوم في مخيلتي: إلى أين نحن ذاهبون؟! نسلك دروباً لا نعرف مغزاها...ونسير خطىً غير واضحةً ولا نعي لماذا....نتسارع ونتسابق وكأن كنزاً ينتظرنا...ورغم أن طريقنا دون وجهةٍ، ولا نقطة وصول، ولا محطة أخيرة...إلا أن كبريائنا المريض يفرض علينا أن نكون في المقدمة؛ فنطلق العنان لأخلاقنا الرفيعة ونباشر بطرح الفائض من قذارتنا - ونفتخر بهذا...نرفع أعلام النصر كأننا في حرب...نستنزف قوانا على تفاهات يومية ونظن أنها هذه هي معركتنا...نجرّد طاقاتنا من انسانيتنا ونصبها على من حولنا...وعند مواجهة العدو الحقيقي، نقف مستسلمين. فلا عجب أن الغريب في أحضاننا...يتنعم من خيراتنا.
نسابق زمن ما وضعناه نحن...نفاخر بما لدينا من قشور...ونقيس وجودنا بزيف الخارج...فنمضي حياتنا نبني في الهواء...نلمع القشرة الخارجية وبداخلنا عفونة.
نخاف أن نفتح لو شقاً صغيراً على ذواتنا لئلا تفوح رائحتها النتنة...أنفسنا رميناها في القمامة...فتفشى الطاعون. ولما لا!! فنحن لا نحتاجها في يومياتنا...نسير والمخدر يسري في عروقنا فلا نرى حقيقة الخارج....ننام ونكدّس أوجاعنا تحت الفراش فلا نسمع أنينها. وكي لا ننظر في مرآة ذواتنا، كسرنا كل المرايا لدينا...فلا نرى التشوه الذي حصل فينا.
راضون...راضون...وقد أقنعنا أنفسنا أن هذه هي الحياة...وروضناها بأن نقبل بكل ما يأتينا من الغيب لأننا نهرب من التغيير. وإن حدث فشل أو خسارة نرمي لومنا على الحظ والفرص...ونتناسى أن الإنسان من يصنع الفرصة...لكننا بشر كلُّ همنا ماذا نأكل ومتى ننام. وكيف لشعب كهذا أن يصنع فرصة...والشلل الموروث تأصل في دماغنا.
شعوبٌ سابقت الزمان والرياح...ونحن مازلنا نعبد "العيب والحرام"، نجلس على كرسي الماضي ونناجي أطلالنا فنسير إلى الوراء...مازلنا نعيش على وهم ماضٍ فقير...أننا بلاد الشهامة والكرم والأخلاق:
باسم الكرم؛ أدخلنا غرباء إلى بيوتنا فسكنوها وطُرِدنا...
باسم الأخلاق؛ ندافع عن شرف لا نعرف هويته...ونحكم على شرف الآخرين، كأن سيف العدل بيدنا...فننسى أننا هتكنا عرض الشرف بكذبنا ونفاقنا وازدواجيتنا.
وأين الشهامة؟! فعندما نرى محتاجاً نذلّه...وطيباً نستغله...ونرفع رايات البطولة كلّما تلاعبنا بالمشاعر...ونتباهى كلما زاد في سجلنا ضحية.
حاملين شعلة العادات والتقاليد...ومع أن هذه الشعلة قد انطفأت منذ زمن بعيد...لكننا مازلنا نتشبّث بالمشعل؛ لا نشعلها ولا نريد أن نستبدل المشعل. نفيق كل يوم على تسبيح ودعاء...ونرمي أعذارنا على الله في غضبنا ومشاكلنا...وننسى أنه أعطانا عقلاً وإرادة...فطوينا الإرادة ووضعناها على الرف كما وضعنا الأحلام هناك...وعقلنا روضناه بأن يفكر كما تأمره الغريزة؛ فنخاف على بطوننا أن تجوع، وعلى جيوبنا أن تفرغ، وعلى فراشنا أن يبقى خالياً - هذا هو طموحنا...وأبعد نقطة
تفكير نصلها هو كيف ننام وغرائزنا مُشبعة.
نسير دون هدف...ولا نملك القدرة على سير طريق الحياة، لأن ما يشغلنا من ضحالة الدنيا يعمينا...فطرحنا مسؤوليتنا على القدر، وأسلمنا القيادة لشهواتنا؛ فبتنا كالتائهون في العدم...ومصيرنا مجهول.
حول ذواتنا هالات وهالات من فراغ...بداخلنا صراع...سيطر علينا الفصام ولبسنا الازدواجية: من الداخل نريد أن نكون...ومن الخارج نخاف أن نكون؛ فهذا يجب وذاك لا يجوز، ثم تجمّلنا بالرياء...حتى أصبح شعارنا الرفض لأي شيء دون وعي...وتسمّرت الـ "لا" في مخيلتنا فحجمتها...وكي لا نحلم ولا نتخيل أكبر من إطار "المجتمع" غيرنا وجهة أحلامنا للأسفل...فما عدنا رأينا النجوم ولا السماء...ونسأل أين الفضاء...واتخذنا من فراغ حياتنا صديقاً...فنستحضرة حتى مع فنجان قهوتنا الصباحية...لنملأ ثقوبه بهوايات أخبار الغير...ثم ننصّب أنفسنا قضاةً؛ فنحمل دستور العفة والبراءة ونحكم على الآخرين أشد العقوبات...ونحن في الخطيئة منغمسون.
باسم الكرامة؛ نلوك كرامة الغير...
باسم الشرف؛ نحمل سيوفاً...نحارب طواحين الهواء بدلاً من أن نحارب أمراضنا وقيحَ جروحنا...
وباسم الإيمان؛ نرفع رايات الجهاد...ونقتل....
فأخبروني: ما الفرق بين عبادة الأصنام وعبادة الجهل؟!!
نفتخر بحضارات اندثرت...ولا نبادر بفعل حضاري...نبني حياتنا على شعوذات؛ فالدجالون هم عرابو مستقبلنا...الكذب مرشدنا...والنفاق هو سلم الصعود. ندور ضمن حلقة النفاق الاجتماعي، فلا نرى أبعد من حدود الدائرة.
عصورٌ تمضي...ونحن نتخبط بأيدي القدر...نفتخر بانجازات ونحن خلف الركب...ولنتفوق على هزيمتنا؛ صوتنا يعلو كالنباح...ونترك الحكم للعضلات...
شعب لا حول له ولا قوة...نمشي دون ظل...وقد تهنا على رصيف الزمان...وإن كنا ننشد ولو بصيص
تغيير – فهل يصلح العطار ما أفسده الزمن؟!!!
تامـــــــار سـامي – دبي
tamar_suleiman@yahoo.com
( الخميس 2012/05/24 SyriaNow)
التعليقات
الاسم : تامار - التاريخ : 28/05/2012
صحيح أيتها البنت الدمشقية...شكراً للتعليق
الاسم : بنت دمشقية - التاريخ : 25/05/2012
الجهل مصيبة كبرى وما لو دوا ... يسلم قلمك ..
إن التعليقات المنشورة لاتعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي موقع "سوريا الآن" الذي لا يتحمل أي أعباء معنوية أو مادية من جرائها
ملاحظة : نعتذر عن نشر أي تعليق يحوي عبارات "غير لائقة"