التاريخ الاستعماري الطويل للدول الغربية, لم يكن مرحلة عابرة من مراحل التاريخ السياسي الذي ارتبطت مفاهيمه الأساسية بسلطان القوة والجشع التي تداولتها دول المنظومة الأوروبية عبر الصراع التاريخي الذي خاضته هذه الدول فيما بينها للسيطرة على مقدرات بقية دول العالم الضعيفة وعلى ثرواتها
. واستمرت كل من بريطانيا وفرنسا في سياساتهما الاستعمارية المباشرة حتى ستينيات القرن الماضي . وقد تميزالساسة البريطانيون بالدهاء السياسي والمداهنة والمراوغة التي عملت على تأجيل لجوء الشعوب المستعمرَة إلى قوة السلاح للخلاص من نيرهم الاستعماري لتطيل أمد أطماعها في خيرات البلاد الأخرى ونهب ثرواتها لتستغلها في رفاه شعبها في الجزرالبريطانية على حساب الشعوب المستعمرة بحجة التعميروالتعاون بين شعوب العالم غيرالمتكافئ في قواه العسكرية والاقتصادية .
وكان لوعي الشعوب لما يصيبها من عمليات إفقارممنهجة لاحتياطيات ثرواتها الطبيعية وإهانة كرامة أبنائها المطالبين بالحرية والاستقلال ووقف نهب الثروات وإضعاف كيانات دولهم وإذكاء الفتنة بين مكوناتها الاجتماعية سياسيا ً وثقافيا ً وطائفيا ًوعرقيا ً, وإفساد العلاقة الطبيعية بين عناصر تعددية تلك المجتمعات والاستناد إلى سياسة " فرق تسد " الخبيثة الغايات والنتائج التي أبدع الساسة البريطانيون في اللعب بها بمهارة وإتقان المفسدين, كان من نتائج ذلك الوعي الوطني إنهاء صورالاستعمارالمباشر بالحرب التحريرية الدامية التي شهدها الاستعمار الفرنسي المشهود له بالقسوة والوحشية في مواجهة طلاب الحرية والتحرير في كل من سوريا والجزائر, وهروب القوى العسكرية البريطانية أمام تحديات لم تقوعلى مواجهتها بالقوة العسكرية إلا في حالات محددة كما تلقت السياسة الامبريالية الأميركية هزيمة صاعقة في فيتنام . وعلى الرغم من كل ذلك , فإن السياسات الاستعمارية ظلت ركن زاوية في استراتيجيات تلك الدول ومناهجها السلوكية والاستئثارية في ظل امتلاك تلك الدول للقوة العسكريةً والاقتصادية والعلمية – التقنية بشكل مباشرومؤثر. تبدلت الأساليب الاستعمارية المبنية على الاحتلال المباشر بالقوة العسكرية الطاغية إلى الوسائل الترهيبية والترغيبية ( التهديد بالحصار والمقاطعة والعقوبات على الأشخاص والشركات والمؤسسات,تقديم المساعدات مقابل تأييد المواقف وخدمة التحركات العسكرية عند الحاجة ) وإقامة القواعد العسكرية في مناطق نفوذها لإحكام السيطرة على مصادر الثروات الطبيعية ومورادها الأساسية ( النفط , اليورانيوم , الغاز, الحديد , الذهب ... ) أيا ً كان موقعها مع ما يرتبه ذلك من ضرورة السيطرة على المراكزالجيو- سياسية المسخرة لخدمة النهضة والتقدم في تلك الدول على حساب شقاء الدول الضعيفة والمتخلفة اقتصاديا ًوعلميا ً . سعى الغرب دوما ًإلى التركيزعلى تجزئة جغرافية - سياسية للمنطقة العربية لثرواتها الطبيعية الحيوية وموقعها الجيوبوليتيكي مع الأخذ في الحسبان تراثها الحضاري العتيد الذي يشكل الدافع الدينامي لنهوض الأمة واستعادة دورها الحضاري ذي القيم الإنسانية فكان لا بد من عملية تطويق للأمة بدول تفوقها قوة عسكرية مدعمة بإمدادت السلاح والتقنيات الحديثة الخاضعة للإدارة الغربية المباشرة, فضمت تركيا إلى الحلف الأطلسي عدواني التطلعات والأهداف,وجعلت من شاه إيران بيدقا ً صغيرا ً فيما كان يظن نفسه امبراطورا ًخارقا ً! إلى أن ذهبت به الثورة الإيرانية لتبدل فيما بعد موازين القوى , فشكلت بذلك هي وحلفاؤها قوى معادية بالضرورة الوطنية للامبريالية وللصهيونية. وكان الغرب قبل ذلك قد قام إسرائيل قوة عدوانية مباشرة وأداة مجهزة بأسلحة الدمارالشامل, ومحمية بقوة أميركية منتشرة فوق الأرض العربية وفي أجوائها وفي أعماق بحارها وما ضحل من مياهها ممولة بالمال والخبرات اليورو- أميركية للحفاظ على السيطرة الغربية على سياسات العديد من دول هذه المنطقة على حساب تقتيل أهلها المستمروتشريدهم المتواصل من أرض فلسطين, والوقوف بوجه الحركات السياسية – الاجتماعية الوطنية الساعية الى التقدم والترقي والاستقلال السياسي والاقتصادي , وإخضاع المنطقة إلى مسببات الأمرالواقع ودواعيه . أما في هذه الحقبة الزمنية التي شهدت وتشهد حراكا ًموجها ً ضد أنظمة حكم عربية أكل نسيجها الفساد بما كانت تحظى به من دعم وتأييد يورو- أميركي ( مصر وتونس وليبيا ) فقد أخذت السياسات الاستعمارية خطة استباقية باتباع منهج الاستحواذ على هذا الحراك واحتضانه وخفض وتيرة صياغات أهدافه التحررية واحتواء القوى المؤثرة على مساره , والتنكر للساسة الذين حظوا بدعمها المباشر, بل ذهبت هذه الدول إلى أبعد من ذلك بالمشاركة العسكرية المباشرة في دعمه ورفده بمصادرالقوة السياسية والعسكرية التي تضمن وقوع شخوصه في حضن الذئب المتعطش لنهش الفريسة الدسمة كما هو الحال الليبي ( احتلال العراق له أسباب إضافية أخرى ), ولكنه كشف نتائج خديعة الاستعانة بالأجنبي في " التخلص " من الحكم الفردي ,هذه النتائج المدمرة للكيان السياسي – الاجتماعي – الاقتصادي للمجتمع التي تعيد إلى الأذهان إن الاستعمارحركة مستقرة في نوايا أصحابها المبيتة وأهدافهو الدائمة طالا تمكنوا من ذلك ,وإن جوهرهذه الحركة ليس سوى مجموعة عمليات مبرمجة ومخططة للتدمير وإعاقة التحضروإفقار الشعب وإهانة للكرامة الوطنية للدول المستعمرَة ,وإن هذه الحركة رافعة راية الحرية والديمقراطية للخداع والتمويه!!!,ولم ينجح التضليل في رفع شعار"التحرربدعم قوى الاستعمار" بخداع الضمير الوطني العربي,وإن تمكن من المتجردين من كل قيمة لفقدانهم توازنهم الخلقي. ظلت نفس العقلية الاستعمارية المترسخة في يقين الساسة في الدول الإمبريالية بالحفاظ على تجزئة الوطن العربي , وتحريك الفتن العرقية والطائفية والعنصرية كلما لاحت لذلك فرصة الاستعانة ببعض القوى المغامرة بمستقبل وطنها, والتائهة في أوهام شعارات حرية وتحرر يرددها الطامعون بهم وبثرواتهم فيلهثون وراء سراب وعندما تصحو بهم بعض ضمائرهم يجدون أنفسهم منهكين منقسمين مفتتين فلا يجدون ملاذا ً آمنا ً سوى في المزيد من السقوط براثن التخلف والضعف والارتماء على عتبات السادة بلا حرية وبلا تحرر. وفي مدارس النهج الامبريالي المحدثة ,إثارة الفوضى في المجتمعات الأخرى ودعم أطراف تجهل قيم الوطنية البناءة وتتراكض خلف مطامع وهمية في السلطة والحكم ومدها بالسلاح والمال وقوى الإعلام والدعايات المضللة وفبراكته وإثارة الرأي العام ضد أي فريق وصل في وعيه إلى تحصين قيمه الوطنية وإلى مجابهة السياسات المتعمدة في إسقاط الوطن في فوضى لن يتمكن من إعادة ترتيب أوضاع مجتمعها سوى تلك القوى لتقررشكل الحكم ونوع ارتباطاته وحدود علاقاته لتعود شبكة القيود الاستعمارية تفرض وجودها المباشروغير المباشر. فوجئت قوى الامبريالية بالإرادة التحررية الراسخة في عقل الوطن السوري ووجدانه بفئاته التعددية والسياسية والنضالية بمنظماتها وتجمعاتها وأحزابها المجربة في الذود عن الشرف والكرامة العربية والوطنية,فوجدت القوى المتعاضدة والمتعاونة على دك الحصون السورية ,وجدت نفسها في مأزق متشعب الاتجاهات ,فقد : - صُدمت تلك القوى في ما واجهته من متانة الموقف السوري العسكري ونوعيته والموقف الشعبي وصلابة تصديه لمؤامرة دولية حيكت بدقة وتأن منذ فترة طويلة عن سبق إصرار وتعمد. - فشلت تلك القوى بكل ما صرفته من الملايين من أموال البترول العربية وما قدمته من دعم لوجستي واستخباراتي وما جهزته للعديد من قوى المرتزقة من معدات بوهم التفوق على القوات السورية (سذاجة فرنسية ) من إحداث ثغرات في النسيج الاجتماعي السوري الذي توحد في تعدديته وتمسك بهويته الوطنية الراسخة, ولم يتعدد في وحدته كما أرادت له النوايا الشريرة ذلك ليسهل عليها تفتيته. - تفاجأت القوى الامبريالية بوجود فاعل ومؤثرلقوى دولية وجدت في تماسك الدولة السورية وشجاعة تصديها للمؤامرة وحكمته فرصة مواتية كي تواجه سلطة تفردهم (أي الامبريالية) في التدخل في القضايا العالمية صناعة وتأجيجا ً وإنهاء حسب أهوائهم الاستغلالية الاستعبادية , وتتحدى أسس قيام القطبية الواحدة وتهز قواعدها وتخلخل بناءاتها الوهمية. - تأكد لنظم التبعية العربية للهيمنة الغربية إنه :: لا يمكن لتابع أن يدعم حركة تحرير وطنيةً فقوة المال المسخرة لإلحاق الضرربالآخرين قوة تستعبد صاحبها والمستعبد لا يدعم حرا ً :: ولا يمكن لمن يعجز عن الدفاع عن وطنه أن يدافع عن مرتزقته أو يحمي ظهرهم . يشتري المال عارضي أنفسهم للبيع,ولكنه لا يُحيي فيهم إرادة تحريرأو يوقظ فيهم صحوة ضمير . وتأكد لها أنه يسهل على المستعمرأن يتخلى عن أعوانه ويبيعهم بأبخس الأسعار لاهثا ًوراء مصالحه . النهج الاستعماري سيظل السياسة الدائمة لقوى الاستعمار الغربي- الأميركي ما دامت تملك القوة ونواصيها , وما دام الوعي لدى البعض في الدول النامية يمكن تحريفه وإغناءه بالثروة المنهوبة من بلاده , وستظل العبرة التاريخية تؤكد إن قوى الشباب العربي , والخيارات الوطنية والقومية لمكونات الشعب في مختلف أقطاره تـُقيد جذوة صحوة تاريخ الاستقلال والتحررمن التبعية ومن القوى المأجورة. ويستقر في الوجدان العربي اليقظ إنه : ما زالت حاجة بلادنا العربية إلى عطاءنا أعظم من حاجتنا إلى عطايا بلادنا لنا .