السباحة الثورية نحو القاع في معركة (العلمين) السورية.. بقلم نارام سرجون
كان المفكر الإسلامي المصري المعروف مصطفى محمود صاحب برنامج (العلم والإيمان) الشهير وصاحب كتابي «حوار مع صديقي الملحد» و«رحلتي من الشك إلى الإيمان»، كان يقول من دون مواربة: «إذا سقط رجلان ـ مؤمن وكافر ـ في البحر فسينجو من يعرف السباحة منهما»، أي لن تنفعك إجادة الصلاة ولا الابتهالات، ولن تنفعك علوم الفيزياء والكيمياء، بل ستنفعك فقط قدرتك على السباحة ومعرفتك بفنون العوْم، ولن تهبط عليك الملائكة بأطواق النجاة كما هبطت على ثوار حمص الذين بشرنا برؤيتهم المؤمنون في مساجد السعودية، فالملائكة إذا صحّ ذلك الكلام لم تهبط من السماء إلا مرّتين، مرّة في غزوة بدر، ومرّة في معارك بابا عمرو، ولم تهبط في القادسية ولا في اليرموك ولا في حطين ولا في حرب غزة، بل انتظرت 1400 سنة لتعيد الهبوط في حمص!
وهذا هو حال الثوار السوريين الذين يسبحون في علوم السياسة وعلوم الثورات وهم لا يعرفون شيئاً عن فنّ العوْم في السياسة، وأكبر دليل على ذلك هو انتقالهم من خيبة إلى خيبة، ومن هزيمة إلى هزيمة، ومن شك إلى شك، حتى صاروا مدعاة للسخرية من قبل الكثيرين، بل إنني أستطيع القول إنّ جمهورهم تراجع وإنّ حجم التأييد لهم في العالم العربي صار يتعرّى كشجر الخريف، تتساقط أوراقه في هذه الرياح العاتية التي نقلت الربيع بسرعة إلى فصل خريف من دون صيف.
الزمن لم يعد في صالحهم على الإطلاق، وأوراقهم تسقط وتكشف ما حجبته عنا من حقائق ونور، ولذلك دخل المعارضون في سورية نفقاً لعيناً اسمه.. حرب العصابات.. ولا أدري من قدّم لهم هذه النصيحة التي تشبه نصيحة انتظار الملائكة في حمص، ونصيحة انتظار «الناتو» ونصيحة انتظار الجيش الانكشاري، ونصيحة انتظار ساركوزي الذي طلب من الأسد الرحيل فرحل هو قبل الأسد، ونصيحة انتظار جيوش وفيالق الفيلدمارشال حمد بن خليفة القطري، الذي بزّ ثعلب الصحراء الألماني رومل في اجتياح صحراء برقة الليبية مع أميرال غوانتانامو عبد الحكيم بلحاج، وللمفارقة فقد هُزم رومل في معركة العلمين، أما رومل العرب حمد (كركدن الصحراء) فيقود العالم في معركة «العلمين» الأخيرة له في سورية، وهي نهاية أسطورة فقاعة قطر.
ما لديّ من معلومات ومن معطيات عن حجم الدعم الذي تلقته المعارضة حتى الآن مخيف، الأرقام لم تحظ بها أية معارضة في العالم حتى الآن وستكشف الأيام ما أقول، والشخصيات والدول وأثقالها التي قدمت للثورة الضمانات كفيلة بأن تهزّ كلّ نظام لمجرّد ذكر هذه الأسماء الرهيبة والأحزاب التي اجتمعت على أمر واحد، هو إنهاء آخر مراحل الربيع العربي في سورية قبل الانتقال إلى المرحلة البشعة وهي تصميم القرن الواحد والعشرين بعد أن انتهت صلاحية تصاميم الثورة العربية الكبرى قبل مئة عام.
القرن الواحد والعشرون يُراد له ألا يكون استمراراً للقرن العشرين الذي كان قرن القوميات المستقلة، التي نشأت عليها ذاكرة أجيال عديدة، بل سيكون قرن الدولة الدينية كما ترسم القوى الكبرى، فقرن القومية انتهى نهائيا بالإجهاز على العراق، وبنهاية العراق كان عصر القومية قد انتهى نفسياً عندما افترس العراق بخيانة العرب، وصارت الجماهير مستعدّة لقبول البديل، والبديل كان جاهزاً، وقد تمّ تجهيزه وإطلاقه في أحداث أيلول/سبتمبر 2001، وكانت له وظيفة خلق هوية جديدة للشرق ولمجتمعاته، هوية دينية وهوية إسلامية جديدة ليست تشبه أية هوية إسلامية سبقتها، وذلك لإطلاق عصر الدولة الدينية، دولة دينية ستكون مظلة وتكريساً شرعياً ليهودية الدولة العبرية، التي يجب أن تعيش في وسط يتحدّث نفس اللغة اللاهوتية لتتجانس اللوحة الشرق أوسطية الدينية.
دهاليز الزمن
ولا أدري كيف جابت بي الذاكرة في دهاليز الزمن واقتادتني إلى يوم من أواخر أيام عام 1997 عندما قرأت دراسة مترجَمة أطلعني عليها صديق عزيز رحل منذ سنوات، وكانت الدراسة المترجمة عن التيارات الإسلامية منقولة عن مؤسسة «راند» الأميركية، وقد قدّمتها إدارة المخابرات العسكرية السورية إلى القصر الجمهوري من ضمن واحدة من جملة دراسات مترجمة ومن بينها دراسة لنفس المؤسسة الأميركية عن التكوينات العرقية والطائفية السورية والعلاقات البينية والتاريخية، ويعتقد أنّ الدراسة كانت مقدمة من مؤسسة «راند» إلى «السي آي إيه» منذ ثمانينيات القرن الماضي. تلك الدراسة بدت خيالية لي وابتسمت وأنا أقرأها وقلت لصاحبي ساخراً: «سأتبرّع بهذه الدراسة وأوراقها إلى جارنا بياع الفلافل لأنها لا تصلح إلا ليلفّ بها سندويشات الفلافل في حارتنا»، وعقّب صديقي موافقاً أنّ مَن قدم الدراسة يبدو أنه اعتمد على قراءة غير واقعية وواهية، وأضاف إنّ مشكلة الأميركيين أنهم يعتقدون أنهم قادرون على معرفة وفعل كلّ شيء دائماً!
ما أشعر بالأسف عليه أنني فقدت تلك الأوراق وذلك الملف الذي كان مغلفاً بغلاف أحمر، ولم أعثر عليه رغم أنني قلبت كلّ ما في مكتبتي بحثاً عنه، وأخشى أنني فعلاً تبرّعت به إلى بياع الفلافل من دون أن أتذكر، لما كان محتوى الملف خيالياً لا يصدق، وأعتقد أن وصوله إلى صديقي ربما كان بسبب أن أحداً لم يأخذ التقرير على محمل الجدّ فخرج عن خصوصيته.
ما أذكره من تلك الأوراق التي وقعت في 28 صفحة أنها تحدثت عن التيارات الإسلامية وقراءة التجربتين المتناقضتين في إيران وأفغانستان، وخلصت الدراسة إلى نتيجة عجيبة وهي أنّ على الإدارات الأميركية أن تلجأ إلى أسلوب غريب لمواجهة الحركات الإسلامية الصاعدة، أسلوب لا يخطر على بال، ألا وهو مساعدة هذه الحركات للوصول إلى السلطة والدفع بها إلى قيادة مجتمعاتها بدل أن تلجأ الولايات المتحدة إلى مواجهتها مباشرة، وكان الرأي أن السبيل الوحيد للقضاء على الحركات الإسلامية هو إيصالها إلى السلطة بشكل مدروس، لأنّ الانغماس في السلطة سيُدخل الإسلاميين إلى السياسة والى دهاليزها وكواليسها وصفقاتها، وسيُبعدهم عن العقائدية والتصوف الجهادي وحلم الخلافة الطوباوية التي انتهت بعهد عمر بن عبد العزيز، والدخول إلى السلطة في الشرق ـ حسب الدراسة ـ لا يمكن إلا أن يكون طريقاً أكيداً إلى الفساد، وخاصة في الشرق المحكوم بعقلية القبيلة والعائلة والعشيرة وانهيار المنظومات الأخلاقية بسبب الفقر والجهل، أي يجب إفساد الإسلاميين بالسلطة ليتمّ افراغ جهاديّتهم وتنفير الناس منهم، كما حدث مع كلّ الأحزاب التي وصلت إلى السلطة في الشرق. كما أنّ التناقضات الإسلامية ذات طبيعة سريعة الاشتعال، وهي كفيلة بإطلاق شرارة الانتحار بين هذه المجموعات الدينية المترامية الأطراف والمتناحرة إذا ما تمّ الإمساك بلجام هذه الحركات، ولكن كانت أهم ملاحظة هي أنّ تسهيل الوصول إلى السلطة يجب أن يكون بعد وضع «اللجام» في فم الإسلاميين!!
وكانت الدراسة ملخصاً للإجابة على تساؤل طرحته الإدارة الأميركية عن مدى جدية تحذيرات الروس الذين يقاتلهم المجاهدون في أفغانستان، فقد وجه الروس نصيحة إلى الأميركيين فيها تحذير من مغبة إطلاق هذه الحركات التي ستصل فوضاها وتطرّفها إلى الولايات المتحدة والغرب نفسه، وكانت الولايات المتحدة متخوّفة من أن تشبّ هذه الحركات التي ترعاها عن الطوق، ويقود هذه الحركات الإسلامية ثوار من «طراز الخميني» الذي وجّه جمهوريته الجديدة ضدّ المشروع الغربي في الشرق الأوسط، الخميني الذي يُقال إنّ بعض المنظرين في الولايات المتحدة كانوا حائرين في طريقة تقييم اندفاعته، واعتقد بعضهم أنّ ظهور الخميني كعدو للغرب كان أيضاً جيداً من ناحية أخرى في محاصرة المدّ الشيوعي في أفغانستان وفي إيران (حزب توده الإيراني الناشط)، وقد يدمّر الطرفان بعضيهما في الصراع، لكن تصورهم لم يكن دقيقاً، فالخميني ربما أوقف المدّ الشيوعي لكنه حوله إلى مدّ إسلامي خرج نهائياً عن السيطرة.
ملاحظات تاريخية
استحضار تلك الدراسة لمؤسسة «راند» تجعلني أستحضر ملاحظات تاريخية قرأتها منذ زمن طويل تؤكد أنّ التاريخ القديم طبيعي النشوء ووليد الصدف والأقدار، لكن التاريخ الحديث لم يعد محكوما بالصدفة، بل بالرسم والتصميم ككلّ عمل علمي وكأيّ عمل هندسي، فكما أشارت ملاحظات مؤرّخين كثيرين لم يعد من قبيل الصدفة مثلاً التقاء ثلاثة أحداث هامة خلال عامين أو ثلاثة مثل إضراب عمال الذخيرة الألمان عام 1917 في الوقت الذي كان الجيش الألماني على الجبهة منتصراً وفي أحوج الأوقات للذخائر، وليس من قبيل الصدفة امتناع الصيارفة اليهود عن تمويل الاقتصاد الألماني في تلك الفترة وأن يظهر وعد بلفور في نفس العام، ولم يعد ظهور السلاح الكيماوي مصادفة في نفس الفترة على يد يهودي صهيوني اسمه حاييم وايزمن حيث لعب هذا السلاح الجديد دوراً رئيسياً في قلب موازين القوى العسكرية لصالح أعداء ألمانيا (راجع كتاب: تاريخ الكيمياء المثير من السيمياء إلى العصر الذري ـ المؤلف: كاتسي كوب وهارولد جولد وايت)، وليس من قبيل الصدفة أن يصبح وايزمن نفسه أول رئيس لدولة «إسرائيل» بعد أن لعب شخصياً دوراً رئيسياً في الحصول على وعد بلفور بسبب تقديمه السلاح الكيماوي إلى الجيش البريطاني، وبالطبع ليست مصادفة بريئة أن الثورة العربية الكبرى قامت عام 1916 في تلك الفترة لتحرير العرب من العثمانيين لإيقاعهم في أسر آخر، وانتقالهم من استعمار إلى استعمار...
الربيع العربي لم يعد القبول بصدفته أمراً مقبولاً، فهو ما أريد له أن يرسم طريق المنطقة في القرن الواحد والعشرين، ولا أدري بعد أن مرّت ذاكرتي على ذلك التقرير الأميركي ـ الذي لا يصدق ـ إن كانت أحداث أيلول/سبتمبر صدفة، وإن كان توقيت انقلاب حمد على أبيه صدفة، وإن كان تجهيز قاعدة العيديد لغزو العراق صدفة، وتجهيز قاعدة «الجزيرة» لغزو عقولنا، ولا أدري إن كان وصول الإسلاميين الأتراك إلى السلطة صدفة من بعد حظر صارم وحبس منفرد بأقفال العلمانية الأتاتوركية طوال قرن كامل، ولا أدري إن كان ظهور الفضاء العربي الذي استولى عليه السعوديون والقطريون وشغلوا العقل العربي ببول النبي وإرضاع الكبير ومضاجعة الوداع صدفة، وبعد كلّ هذا.. هل يبقى ظهور الربيع العربي بعد كلّ هذه المقدمات صدفة؟؟
لا أعتقد أن التاريخ الحديث يعمل بالمصادفات كالسفن الشراعية حسب أهواء اتجاه الرياح، بل هناك من يُمسك بالدفة ويتلاعب بالسفن، ولكن ربما حدثت هناك صدفة واحدة في هذه الأيام هي اجتماع محور جَمَعه القلق بسرعة فجَعَل يحوّل هذه الصدفة إلى محرّك للتاريخ، هذا المحور هو محور سورية إيران روسيا .. فهذه ثلاث قوى متناقضة قلقة من لاصدفة الأحداث، وهي مجمّع تناقضات (دولة دينية إسلامية ودولة علمانية ودولة لادينية ولاعلمانية) التقى بحكم الضرورة والدفاع الذاتي ضدّ تكتل قوى غير متناقضة جوهرياً وكانت متحالفة بانسجام لافت منذ بدايات القرن الماضي حتى الآن (تركيا والغرب ومستعمرته الأثيرة في السعودية ومستعمرات الخليج)، وهنا ربما تبرز الصدفة لمبارزة اللاصدفة، في معركة فاصلة.
اليأس النهائي
الحدث السوري بسبب تعقيداته وتعثره تحوّل إلى عدسة شفافة يمكن استعمالها لقراءة مستقبل الأحداث القائمة، وقراءة تطور الأحداث السورية ربما سيدلّ على تطور الأحداث كلها في الشرق الأوسط، فانتقال محور الدول الداعمة للمعارضة السورية، إلى مرحلة حرب العصابات يؤشر بشكل كبير إلى أنّ هناك يأساً نهائياً من أيّ دور للجيش السوري في الانشقاق أو الانقلاب لتغيير المعادلة، وأنّ مرحلة إحداث مواجهة بين الشعب السوري وبين الجيش انتهت نهائياً، وكذلك لم يعد هناك تعويل على القوى الخارجية التي رقص لها «الثوار» رقصاً لا رقص بعده ولا رقص قبله، وخلعوا ثيابهم حتى التعرّي من أجل عيونها، لكنها لم تسقط بالغواية.
وكما هو معروف فإنّ حرب العصابات هي الحرب الأكثر فعالية ضدّ الجيوش، وهي آخر الخيارات العسكرية، ووصولنا إلى حرب العصابات يعني أنّ المقصود هو إرهاق الجيش بدل مواجهته في تجمّعات ضخمة مثل المواجهات الفاشلة في جسر الشغور وبابا عمرو، لأن هزيمتها نهائية بلا ريب، والمقصود هو تخفيض الروح المعنوية للناس وللعسكريين بإيهامهم أنّ الخصم لا يزال قادراً على الأذى، فالعدو الذي يتحرّك وفق حرب العصابات خفيّ رشيق يتحرّك بخفة ولا يحتاج إلا إلى مسدسات وبنادق كلاشينكوف ومتفجّرات.. وانتحاريّين من القاعدة.. وأهداف سهلة من الأفراد للاغتيال.. والمعركة الطويلة في صالح رجال العصابات غالباً.. والمثال الحي في فييتنام وأفغانستان والعراق والجزائر وتجربة حزب الله، فأقوى الجيوش لا يمكنها الانتصار في هذه الحرب كما قال أحد سذج الإخوان المسلمين في اجتماع عقده مع مجموعة من القادة العسكريين في التنظيم منذ عدة أسابيع، عندما أبلغ المجتمعين قرارات اجتماعه بضباط من دول أصدقاء سورية، وهو يقرّ باندحار تكتيك مشروع بابا عمرو، وتحدّث عن الخيار الأخير، وهو حرب العصابات والاستنزاف.
ولكن عندما أقول إنها سذاجة الإخوان المسلمين فإنني أعنيها وأعني من جديد أن الإخوان لم يتعلموا فنّ العوم وسيغرقون من جديد في حرب العصابات، فالملائكة لن تهبط لتعوم مع الغارقين ولن تلقي أطواق النجاة، فبعد معركة بدر لم تهبط الملائكة على أحد، وعليهم تعلم السباحة..
وسبب حماقة خيار حرب العصابات وحماقة أخذها كنصيحة كما أخذت غيرها من النصائح، هو أنها آخر طريقة يمكن أن يحالفها النجاح في سورية، فالجيوش «المحتلة» مهما كبُرت وعظمت لا تستطيع الانتصار في حرب العصابات، لكن الجيوش الوطنية التي تقاتل على أرضها وبين أغلبية ساحقة تؤيّدها ليست مضطرة للدخول في حرب العصابات مع أقلية معارضة، بل إنّ حرب العصابات ستدخلها لعبة المخابرات المعقدة والاختراق، وسيتعامل معها الالتفاف الشعبي حول الجيش الوطني، الجيش حمى الشعب حتى الآن، واليوم الشعب سيحمي الجيش، ولا داعي للتذكير بأنّ معركة بابا عمرو حسمتها اختراقات القوى الشعبية والعمل الاستخباري، ولم يتحرّك الجيش إلا حسب خارطة ثرية جداً بالمعلومات التي أثراها الناس ومئات من رجال المخابرات، ولا داعي للتذكير بأنّ الملايين التي نزلت إلى ساحات سورية رافضة الربيع العربي الغامض والمبهَم هي التي ستكون العين الراصدة والتي ستخنق الإسلاميين الذين ارتكبوا الحماقة الكبرى، حماقة تجريد الجيش السوري من وطنيّته فتسبّب هذا الاتهام في استفزاز الجيش كله وطعن مشاعر كثيرين وجدوا أنّ هناك من يتهم مئات آلاف السوريين باللاوطنية والعمالة وقلة الأخلاق، ولعلّ العامل الفاصل هو الزمن، فالخارطة السياسية حولهم تتغيّر دوماً وبسرعة، وقد تتراجع القوى الدافعة بهم إلى هذا الخيار حسب مفاوضاتها تحت الطاولة وحسب تغيّر قياداتها القادمة.
الغرب يدفع الإسلاميين في المنطقة لأنهم الوحيدون الآن القادرون على شطرها كما تنبّأت دراسة «راند» القديمة، إسلاميّو الترابي يبدو أنهم شطروا السودان بسوء تدبيرهم واستفزاز الجميع بإطلاق الشريعة الإسلامية وشعاراتها جنوباً، وإسلاميّو ليبيا قاموا بالواجب كما نرى، وها هي ميليشيات مصر تتلقى السلاح من مستودعات القذافي التي فتحها لهم مصطفى عبد الجليل لاستكمال المهمة التي سينفذها الإسلاميون.
سقوط وغرق...
لكن المهمة لن تكتمل لأنّ إسلاميّي سورية لم يتمكنوا من إنجاز النصر، واللجوء الى حرب العصابات هو أكبر خطأ يلجأ إليه ثوار في بلدهم، إنها الحماقة التي تسَربَل بها المعارضون السوريون من جديد، وبدأوا يقطفون أول وعود ساركوزي الذي وعد «بأنها الأيام الأخيرة للأسد»، وانتظر الثورجيّون سقوط الأسد تحت الشجرة السورية ليتلقفوه بأيديهم، فاذا بأول الساقطين هو ساركوزي نفسه الذي تسلق الشجرة.. ووقع.. وغداً ربّما سيلحقه أوباما.. ثمّ أردوغان.. ثمّ حمد..
ما أكثر من لا يجيدون السباحة، وها أنا ارى بعض المعارضين يغوصون في مياه السياسة، ومعهم «الثورة» السورية التي لن تطفو لكثرة ما تحمل من آثام فولاذية، وأثقال خيانة من رصاص، وانحطاط حديدي بدعوة الأجنبي إلى التدخل، ولكثرة رعاية الملائكة لها، وهي ملائكة بلا أجنحة بل «ذات قرون وأذيال» مثل الملاك القرضاوي والملاك العريفي وملك الملائكة العرعور، لن تطفو «ثورة» كهذه لكثرة ما كرعت هذه «الثورة» في بطنها من دماء السوريين، فانتفخ وتكرّش وجرّها إلى القاع، ولن تنقذها كل أطواق النجاة، ولن تنقذها كل دروس السباحة المتأخرة، إنها تغرق.. تغرق.. تغرق..
سورية الان - البناء